ابن عجيبة
68
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقال القشيري : قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الأمر في هذه الآية مضمر ، أي : قولوا : اهدنا . والصراط المستقيم : طريق الحق ، وهو ما عليه أهل التوحيد ، أي : أرشدنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات ، فيقع على وجه التوحيد غبار الظنون والحسابات لتكون دليلنا عليك . ثم قال : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي : الواصلين بك إليك ، ثم قال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بنسيان التوفيق والتّعامى عن رؤية التأييد ، وَلَا الضَّالِّينَ عن شهود سابق الاختيار ، وجريان تصاريف الأقدار . ه . تتمات : الأولى : هذه السورة جمعت معاني القرآن كلّها ، فكأنها نسخة مختصرة منه ، ولذلك سميت أمّ القرآن ، فالإلهيات حاصلة من قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، والدار الآخرة من قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، والعبادات كلّها من الاعتقادات والأحكام الظاهرة التي تقتضيها الأوامر والنواهي ، من قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ والمقامات وأسرار المعاملات الباطنة - تخلية وتحلية - من قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ والأنبياء وغيرهم من قوله : الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وذكر طوائف الكفار من قوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . وقال الشيخ ابن أبي جمرة رضى اللّه عنه في بيان تضمنها لكتاب اللّه : إن لفظ ( الحمد ) يتضمن كل ما في كتاب اللّه من الحمد والشكر ؛ لأن الحمد أعمّ من الشكر ، وأتى بالعام ليدل على الصفتين . ولفظة ( اللّه ) تدل على ما في الكتاب العزيز من أسماء الترفيع والتعظيم ؛ لأنه قيل : إنه اسم اللّه الأعظم ، ولفظ : رَبِّ الْعالَمِينَ يدل على ما فيه من أسماء اللّه ، سبحانه ، وعلى العوالم وعلى اختلافها وخالقها والمتصرف فيها . ولفظ : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يتضمن كل ما في الكتاب من المغفرة والرحمة والإنعام والعفو والإفضال ، ولفظ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يدل على ما فيه من ذكر الآخرة وما فيه من الأهوال ، ولفظ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يتضمن ما فيه من التعبّدات وإفراده بالألوهية ، ولفظ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يدل على ما فيه من طلب الاستعانة وذكر الاضطرار ، ولفظ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يتضمن ما فيه من طلب الهداية إلى سبيل الخير ، ولفظ : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من ذكر الخصوص والمرضىّ عنهم والمعفوّ عنهم وأهل السعادة ، ولفظ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من أنواع الكفر والمخالفات ومساوئهم ومآلهم فاستحقّت أن تسمى أمّا . ه .